الغزالي

73

الأربعين في اصول الدين

اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكنه قال : « إني لأمزح ولا أقول إلا حقّا » ، ويعسر على غيره ضبط ذلك . وقد روي أنه سابق عائشة - رضي اللّه عنه - بالعدو . وقال عليه السلام لعجوز : « لا يدخل الجنة عجوز » ، أي لا يبقى عجوز في الجنة « 1 » . وقال لصبيّ : « يا أبا عمير ما فعل النّغير ؟ » ، والنغير ولد العصفور كان يلعب به الصبي . وقال صلى اللّه عليه وسلم لصهيب وهو يأكل التمر : « أتأكل التمر وأنت رمد ؟ » ، وقال : إنما آكل بالشق الآخر ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فهذا وأمثاله من المفاكهة لا بأس بها ، بشرط أن لا يتخذها عادة . الآفة الخامسة المدح : كما جرت به عادة الناس عند المحتشمين « 2 » من أبناء الدنيا ، وكما جرت به عادة القصّاص والمذكرين ، فإنهم يمدحون من يحضر مجالسهم من الأغنياء . وفي المدح ست آفات : أربع على المادح ، واثنتان على الممدوح . وأما المادح ، فالآفة الأولى فيه أنه قد يفرّط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كذّابا . الثانية : أنه قد يظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقا مرائيا . الثالثة : أنه يقول ما لا يتحققه ، فيكون مجازفا ، كقوله إنه عدل وإنه ورع وغير ذلك مما لا يتحقق فيه . مدح رجل بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلا ، فقال عليه السلام : « ويحك قطعت عنق صاحبك ! إن كان لا بدّ من كون أحدكم مادحا أخاه فليقل : أحسب فلانا ولا أزكّي على اللّه أحدا ، حسيبه اللّه إن كان يرى أنه كذلك » . الرابعة : أن يفرح الممدوح به ، وربما كان ظالما فيعصي بإدخال السرور على قلبه ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ليغضب إذا مدح الفاسق » . وقال الحسن : « من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى اللّه » . فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم لتفتر رغبته في الظلم والفسق . وأما الممدوح ، فإحدى الآفتين أن يحدث فيه كبرا أو إعجابا وهما مهلكان ؛ ولذلك قال عليه السلام : « قطعت عنق صاحبك » . الثانية : أن يفرح به فيفتر عن العمل ويرضى عن نفسه ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف ، كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه » . وأما إذا سلم المدح من هذه الآفات في المادح والممدوح ، فلا بأس به ، وربما

--> ( 1 ) المقصود أن العجوز المؤمن المستحق للجنة ، يسترجع شبابه عند دخولها . ( 2 ) أي الأكابر والسلاطين .